خليل الصفدي

260

أعيان العصر وأعوان النصر

216 - أحمد بن ياسين الرياحي قاضي القضاة المالكي بحلب « 1 » شهاب الدين قاض فاض جوده ، وما غاض وغاظ النفوس بشره ، لمّا استراب ، وما استراض . أقدم على تفسيق العدول ، ولم يكن له عن ذلك خروج ولا عدول ، ثم تجرّأ بعد الإسقاط إلى الضرب بالسياط ، وحكم بفسق رفاقه الحكام ، وعدل عن العدل إلى التعدّي في الأحكام ، وكفّر جماعة ، ووفّر على الشرّ ومدّ باعه ، فضاقت به أرجاء حلب ، ولم يلق الناس به زبدة لما مخض محض ما حلب ، فعزل عن القضاء ، وانتصف الناس منه بالقدر والقضاء ، ثم إنه توجّه إلى مصر وسعى ، فأعيد قاضيا مرة ثانية ، وعاد إلى ما كان من الإكباب على جمع حطام هذه الدنيا الفائتة الفانية ، ولم يرجع عن عادة ألفها ، ومادّة استمد منها وعرفها ففسّق وكفّر ، وفرّق شمل العدل ونفّر ، إلى أن استفتى نائب السلطنة بحلب عليه ووجّه وجه اللوم والذم إليه ، وجهّز الفتاوي بذلك إلى دمشق ، وتوجّهت سنّة الطعن عليه والمشق ، فحكم بخطابه الواضح ، وتبيّن أنه من أهل الفضائح ، في القبائل والقبائح ، هذا مع ضيق عطن وعين ، وملاءة من الشين ، وبراءة من الدين ، ولثغة قبيحة إذا بدّل راء الورد بالغين ، وما كان أحقه بقول سلامة الزرّاد السنجاري : ( الرمل ) ضاق بحفظ العلوم ذرعا * ضيقة كفّيه بالأيادي قاض ولكن على المعالي * والدّين ، والعقل ، والسّداد يعدل في حكمه ولكن * إلى الرّشا أو عن الرّشاد فعزل مرة ثانية ، وتوجّه إلى القاهرة ، وأقام يسعى بالعين ، إلى أن أصبح بالساهرة فأكلت الأرض منه خبثا ، ورأى بالموت أن جدّه كان عبثا . وتوفى - رحمه اللّه تعالى - وعفى عنه في شهر رجب الفرد سنة أربع وستين وسبعمائة ، توفى هو وولداه في يوم واحد في طاعون مصر . كان في أول أمره تاجرا بسوق الرمّاحين في دمشق ، ثم إنه سعى في قضاء حلب ، وأظنه أول من وليها من القضاة المالكية فأساء السيرة ، وظهر أنه خبيث السريرة ، ففسّق العدول وأسقطهم ، وضرب بعضهم بالسياط ، وحكم بفسق رفاقه الحكام ، وحضرت كتبهم إلى شيخ الإسلام قاضي القضاة تقي الدين السبكي ، وحضر كتاب النائب بحلب إلى

--> ( 1 ) انظر : الدرر الكامنة : 1 / 822 ، والبداية والنهاية : 14 / 301 ، وذيل العبر : 362 ، ووفيات ابن رافع : 1 / 382 ، والذيل التام 200 .